الرئيسية / اقلام دعوية / حب التشفي والانتقام

حب التشفي والانتقام

اسم الكاتب:

    يميل بعض الناس إلى حب التشفي وسرعة الانتقام من الآخرين لأي سبب من الأسباب، حتى وإن حدث في حقهم أخطاء تافهة، وغير مقصودة وتم الاعتذار لهم، لكن ما تأتي فرصة له للانتقام أو التشفي إلا وانتهزها بأكثر مما حصل له!!

    وهذا الأسلوب في الحياة يؤثر تأثيراً بالغاً في علاقة الناس بعضهم ببعض، فتمتلئ قلوبهم حقداً وضغينة، فتصبح الحياة معارك طاحنة للقتال والتصارع وانتصار كل شخص على الآخر، وهذا واقع مشاهد وملموس، ويكثر في المناطق التي ترتفع فيها نسبة الأمية، والعادات والتقاليد البائدة التي تؤكد على الانتقام من الآخرين لأتفه الأسباب.

    إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينتصر لنفسه البتة إلا أن تنتهك محارم الله، ففي الحديث الشريف عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، قَالَتْ: "مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَادِمًا لَهُ قَطُّ، وَلَا امْرَأَةً لَهُ قَطُّ، وَلَا ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَانْتَقَمَهُ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ مَحَارِمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ..."[1].

    وهناك حديث مشهور يؤكد أن سلامة الصدر سبب في دخول الجنة، ففي الحديث الشريف عَنْ أَنَس بْن مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَطْلُعُ عَلَيْكُم الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تَبِعَهُ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَبَّرَ، حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَت الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: يَطْلُعُ عَلَيْكُم الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ، فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟! فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِن الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ عَبْدُاللَّهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ[2].

    فينبغي أن يُعَوّد المسلم نفسه على العفو والصفح عن إخوانه، وأن ينشغل بما هو أنفع وأصلح له ولمجتمعه، فالحياة قصيرة، وما عند الله خير وأبقى، فالقلب إذا اشتغل بشيء فاته ما هو خير وأعظم منه.

    وبهذا يتأكد أنه ينبغي على كل مسلم أن يسأل الله عزّ وجلّ أن يطهر قلبه من الحقد، والحسد، والبغضاء للمسلمين، وأن يطهر لسانه من قول الزور، ومن كل ما يغضب الله عزّ وجلّ، والله المستعان.




[1] ابن حنبل، المسند، حديث السيدة عائشة رضي الله عنها، رقم: الحديث 22906، صححه الألباني في كتاب: غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام، حديث رقم:252.

[2] ابن حنبل، المسند، مسند أنس بن مالك رضي الله عنه، رقم: الحديث 12236.

 

المصدر:

شاهد أيضاً

b4a48faf-3bea-461b-b767-6785d4cfc4a2_16x9_600x338

حلمه صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:     فإن من الأخلاق الجميلة والصفات الحميدة التي اشتهر بها صلى الله عليه وسلم حلمه العظيم، قال تعالى مثنيًا على نبيه صلى الله عليه وسلم:...

انّ المقالات والتعليقات الواردة لا تعبر عن رأي الموقع انما تعبر عن رأي اصحابها.

أضف تعليق

أخبار في صور