الرئيسية / فكر و ثقافة / أفراح المقبرة.. بصمات أحمد خالد توفيق الأخيرة

أفراح المقبرة.. بصمات أحمد خالد توفيق الأخيرة

    ستواصل عبور الصفحات، ربما بخطوات حذرة، قد تفتش في غلاف الكتاب الخلفي عن جسم صغير صلب، ربما لعملة قديمة منقوشة بلغة "مسمارية" عتيقة، الأغلب أن دُوارا سيعصف بك وأنت تفتش عن هوية القتلة، ومن يراقبونك الآن، وما ينتظرك لدى عودتك إلى بيتك..

    تعتبر مطالعة القصص الأخيرة للراحل أحمد خالد توفيق تجربة خاصة جدا، فأنت تقرأ أحدث ما في جعبته، وتسير في مغاراته، وخلال ذلك لا يفارقك للحظة أن صاحب تلك المغارات قد رحل وغاب، وأنه لم يعد يشاركك قراءتك لكتابه الجديد "أفراح المقبرة".

    حسب دار الكرمة للنشر بالقاهرة فإن الكتاب الذي أصدرته بعد رحيل أحمد خالد توفيق يضم "آخر باقة من الوحوش، ومصاصي الدماء، والسفاحين، وآكلي لحوم البشر، والموتى والأحياء، والكائنات الفضائية، دفع بها الدكتور أحمد خالد توفيق إلى النشر".

نيولوجيزم

    يضم "أفراح المقبرة" 9 قصص، تختطفك تماما منذ عتبتها الأولى "نيولوجيزم" تلك القصة التي يدفعك فيها بطلها لحافة الجنون، وأنت تشاهده أمامك يتلعثم بكلمات أشبه بالشفرات العجيبة التي لا يفهمها سواه، ولا يعلم هو من أين تجري على لسانه، فتتورط في التعاطف معه، وهو يفقد بوصلة لسانه، تتأمل حالته، هل أصيب بمرض غامض؟.

    يتصاعد الأمر وأنت تشاهد علامات تظهر على جسده تشي بأن شيئا غريبا يتطور داخله، شئ خفي، مخيف، يفك طلاسمه أحمد خالد توفيق في نهاية القصة، وهو يُسلمك لنهر من التساؤلات التي لا تمييز فيها بين ما هو منطقي وما هو هلوسة، مساحة لا تخلو من فلسفة يُمررها الكاتب الراحل بين السطور: "وعندما يقولون إننا شياطين أو غيلان فلا تدع هذا يحطم معنوياتك..نحن متميزون ومختلفون لهذا يكرهوننا".

مغناطيس

    يُسلمك هوس بطل القصة الأولى لأبطال آخرين، يشاركونه الفانتازيا والرعب، كلٌ حسب مساره الذي حدده له مؤلف الكتاب، رسم لأحدهم نفقا مظلما إجباريا لمجرد أنه اختار اقتناء رواية جديدة لأحد كتابه المفضلين، فبطل قصة "موعدنا الليلة" شغوف بالقراءة، يعتبرها بمثابة الـ"مغناطيس" الذي سيرفعه إلى القمر، هو مهندس وحيد لا حياة اجتماعية له، يُفصل له المؤلف مشهدا يُقربنا من عالمه: "لكنه ليس وحيدا جدا.. الكتب تجعل حياته مزدحمة جدا، وعندما يدخل البيت يجد توفيق الحكيم، وتولستوي، ونجيب محفوظ وكافكا وتشيكوف وجيمس جويس ينتظرونه في قلق".

    تلك الحميمية التي لا يجدها البطل سوى برفقة كتبه المكدسة، يسلبها أحد كتابه المفضلين "جون كالوزي" الذي يصطحب روايته الأحدث لتكون ونيسة له خلال رحلته بالقطار، وهنا يخلق المؤلف مسارات متداخلة للسرد ما بين عالم البطل الفارغ وعالم الرواية الخطير، تُفقد القارئ قدرته على التمييز بين ما هو واقع ومتخيل.. وهي واحدة من أبرز تقنيات الكتابة لدى الراحل أحمد خالد توفيق.

علامات

    المتابعون لمشروع صاحب "ما وراء الطبيعة" سيشعرون بألفة فورية خلال قراءة آخر قصص كتبها "العراب"، أما من تعرفوا عليه بعد وفاته الصادمة ،56 عاما، التي واكبتها مشاعر جارفة من محبيه، فسيجدون في "أفراح المقبرة" أصداء من عوالم الكاتب الراحل، وفانتازيته، وملامح أبطاله، ومخاوفهم، وانكساراتهم، تلك التي أنفق فيها أحمد خالد توفيق عمرا من الأدب الذي يُضاعف سنوات عمره القصيرة.

    الموت والحياة وجهان على عملة رعب أخرى صكّها الكاتب الراحل في قصته "عشر علامات"، قصة ربما تقودك لإجهاد عقلي، تصارع فيها متلازمات نفسية، وخيالات بصرية، وحدود غير مرئية، تصيبك مع نهايتها بالصدمة، "قلت لنفسي إن جُل ما أطلبه هو أن يتم كل شئ بسرعة.. كلما تم أسرع كلما كان الألم أقل.. أعتقد أن ميتة رأفت كانت سريعة مريحة. رب بحق ما سيصيبني الآن من ذعر وألم قبل موتي، فلترحمني من أهوال يوم القيامة، ساد صمت رهيب.. طلبت من قلبي أن يهدأ قليلا لأتمكن من السماع".

شاهد أيضاً

b4a48faf-3bea-461b-b767-6785d4cfc4a2_16x9_600x338

المغرب يحتفي بثلاث رائدات في الفن التشكيلي

    افتتح الثلاثاء في الرباط معرض تكريمي لثلاث تشكيليات مغربيات راحلات "يشتركن في التعبير العفوي"، بينهن الرسامة المعروفة الشعيبية طلال.     ويضم المعرض، المقام في متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر، إلى جانب لوحات الشعيبية طلال (1929-2004) أعمالا...

انّ المقالات والتعليقات الواردة لا تعبر عن رأي الموقع انما تعبر عن رأي اصحابها.

أضف تعليق

أخبار في صور