أخبار مهمة
الرئيسية / أراء ومقالات / حين تضحّي الدولة بـ"هيبتها" كرمى للمزايدات الانتخابيّة!

حين تضحّي الدولة بـ"هيبتها" كرمى للمزايدات الانتخابيّة!

اسم الكاتب:

    في حديثه التلفزيونيّ الأخير، أقرّ وزير الداخلية ​نهاد المشنوق​ بأنّه "ربما تسرّع" حين أعلن براءة الفنان ​زياد عيتاني​ من تهمة التعامل مع ​إسرائيل​، قبل أن يدلي القضاء بدلوه في هذا الإطار، إلا أنّه برّر ذلك بالقول "أعرف معنى هذا الوجع وقد تذوّقته في السابق".

    لكن لتبرير وزير الداخلية وجهة نظر أخرى تنطلق من "الشكل" الذي أعلن فيه المشنوق "براءة" عيتاني، وتوظيفها سلفًا بما يخدمه انتخابيًا في دائرة بيروت الثانية، حيث يترشح للانتخابات النيابية المقبلة، بدليل حديثه عن "هدف شريف، بيروتي أصيل، عروبي لم يتخلّ عن بيروتيته".

    قد يكون المشنوق "تسرّع" خشية أن يسبقه أحد خصومه إلى استغلال الموضوع وتوظيفه ضدّه، إلا أنّ ما حصل يقدّم نموذجًا آخر عن الأسلحة التي يمكن أن تُستخدَم في المهلة الفاصلة عن ​الانتخابات النيابية​، استحقاقٌ يبدو أنّ "الدولة" لن تتردّد على طريقه في التضحية بما تبقّى لها من "هيبة"، لضمان الحصول على بعض الأصوات هنا أو هناك...

    من يثق بمن؟

    بمُعزَلٍ عن المسار القضائيّ الذي أخذه ملفّ الفنان زياد عيتاني، وما أثير عن "فبركة" لقضيّته من قبل المقدّم ​سوزان الحاج​ حبيش أو غيرها، وبغضّ النظر عن الحقيقة من عدمها في هذا الموضوع، فإنّ الأكيد أنّ كلّ ما حصل على خطّ هذه القضيّة، وما عكسته من صراعٍ غير محمود بين الأجهزة الأمنيّة ينطوي على خطورةٍ لا غبار عليها في فقدان المواطن أيّ ثقةٍ، إن وُجِدت، بدولته، بكافة أجهزتها.

    وإذا كانت علامات استفهامٍ كثيرة طُرِحت حول سبب الطلب من جهازٍ أمنيّ أن يتوسّع في تحقيقات جهازٍ أمنيّ آخر وصولاً حتى إبطالها، مع إصرار الجهاز الأمني الآخر على التمسّك بالخلاصات التي سبق أن توصّل إليها، فإنّ علامات استفهام أكبر تُطرَح حول التسريبات التي تصدر عن التحقيقات القضائيّة بشكلٍ عام، بعيدًا عن مبدأ سرية التحقيق. ولعلّ اللافت في هذا السياق أنّ من انتقدوا التسريبات التي صدرت بعد توقيف الفنان زياد عيتاني، والاعترافات التي نُسِبت إليه في ظروفٍ ربما لا يعلمها أحد غيره، هم أنفسهم من سارعوا لتبنّي التسريبات المضادة التي صدرت بعد توقيف المقدّم سوزان الحاج، رغم ما قيل إنّها تنكر الاتهامات المنسوبة إليها شكلاً ومضمونًا. ويطرح هذا الموضوع إشكاليّة جوهريّة، خصوصًا أنّ مصدر التسريبات هو بلا ريب من داخل ​الأجهزة الأمنية​، وأنّ الأمر لا يقتصر على بعض الخلاصات، بل على تفاصيل التفاصيل، حتى أنّ رواياتٍ تمّ توزيعها حول محضر التحقيق مع الحاج بالأسئلة والأجوبة، تمامًا كما حصل مع عيتاني في السابق، وكما يحصل مع غيرهما من الموقوفين لدى أجهزة أمنية أخرى.

    لكن، أبعد من كلّ هذه التفاصيل، تبقى الإشكاليّة الأكبر التي تطرحها هذه القضيّة هي تلك المتعلقة بالثقة المفقودة، والتي يبدو أنّها فُقِدت أكثر مع ما حصل على خطّ قضية الحاج-عيتاني، لدرجة بدأت تُطرَح في الكواليس أسئلة من الطراز الرفيع تشكّك بكلّ ما يتمّ إعلانه وكأنّه حقيقة مُطلَقة. فإذا كان ما حصل مع عيتاني "فبركة"، فمن يقنع اللبنانيّ اليوم بأنّ ما يحصل مع الحاج ليس "فبركة"، لتصفية الحسابات معها، خصوصًا بعدما أصبحت "القلوب مليانة" بينها وبين الجهاز الأمني الذي كانت تتبع له، والذي يتولى، للمفارقة، التحقيق معها؟ ومن يقنع اللبنانيّ أنّ ما حصل مع الكثير من الموقوفين الذين تمّ التشهير بهم سابقًا ليس "فبركة" أيضًا وأيضًا، من دون أن يتمّ حفظ كرامتهم والبحث عن ردّ اعتبارهم كما يحصل اليوم لأسباب انتخابيّة؟.

    لا سوابق

    كلّها أسئلة تُطرَح اليوم في الكواليس السياسية، وتدلّ على الدرك الذي وصلت إليه العلاقة بين الدولة ومواطنيها، ولعلّ الأخطر من كلّ ذلك، أنّ هناك من بدأ يشكّك بأنّ "تبرئة" عيتاني في هذا التوقيت ليست "بريئة" هي الأخرى، وقد تكون مرتبطة بالمعركة الانتخابية في بيروت، وأصوات آل عيتاني، ولا شكّ أنّ مجرّد التفكير بهذه الطريقة يدلّ ليس فقط على انعدام الثقة بالدولة، بل على الخشية من عودة العمل بالنظام الأمني، وتسييس كلّ شيء كرمى للمصالح الشخصيّة والانتخابيّة.

    لكن، بمعزلٍ عن كلّ شيء، لا يمكن اعتبار ما حصل في قضية عيتاني-الحاج، وتسرّع الوزير نهاد المشنوق لإعلان براءة موقوف، سابقة، فهيبة الدولة مفقودة منذ فترة طويلة، وتدخّل رموز السلطة في العمل القضائي ليس بحاجة لأدلة وبراهين، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تعدّ وتحصى. وتمتلئ الصالونات السياسية بالأحاديث عن موقوفين سياسيّين بقوا في السجون لفترةٍ من الزمن بسبب تدخّل "زعماء الطوائف" لمنع إطلاقهم، من باب "النكايات" أو تحت شعار "ضرورة تأديبهم" وما إلى ذلك. وفي السياق عينه، يندرج تطبيق ​القوى الأمنية​ لسياسة "السمنة والزيت" في تعاملها مع ​قطع الطرقات​، ففيما تعمد لاستخدام الشدّة في بعض الحالات، كما حصل مثلاً في اعتصامٍ للأساتذة قبل فترة، تتجاهل الموضوع كليًا في حالاتٍ أخرى، كما حصل مثلاً حين توترت الأجواء بين "​التيار الوطني الحر​" و"​حركة أمل​" في الآونة الأخيرة، رغم أنّ بعض مفتعلي الشغب من هذا الطرف أو ذاك كانوا معروفين للقوى الأمنية، بل إنّ وجوههم كانت بارزة عبر الشاشات.

    إلا أنّ ما يفاقم من خطورة هذا الموضوع اليوم بالتحديد هو أنّ البلاد مقبلة على استحقاقٍ انتخابيّ يوصَف بالمفصليّ والمصيريّ، تنطوي أهميته على كونه يتمّ وفق قانونٍ انتخابيّ جديد يُجرَّب للمرّة الأولى، يرى البعض أنّه يرقى لمستوى قانون "اللهم نفسي" نتيجة تعقيدات الصوت التفضيلي التي تحوّل المنافسة إلى "أهلية بمحلية" بين الرفاق على اللائحة الواحدة قبل الخصوم. من هنا، فإنّ الخشية الكبرى تكمن في أن تشرّع الضرورات الانتخابيّة المزيد من ظواهر "استغلال النفوذ" في الأسابيع القليلة المقبلة، فتمامًا كما سارع المشنوق لتوظيف أمرٍ قضائيّ، ولو كان صحيحًا، لصالحه، فإنّ الساحة قد تكون مفتوحة أمام ممارساتٍ بالجملة من النوع الذي لا يمتّ إلى المنافسة الحرّة والروح الرياضيّة بصلة في القادم من الأيام، التي ستُشرَّع فيها كلّ الأسلحة الانتخابية، مهما بلغ حجمها.

    إنّها الانتخابات...

    إنّها الانتخابات إذاً، ومعها يصبح كلّ شيء مشرَّعًا، من استغلال النفوذ، إلى ضرب هيبة الدولة، وكلّ ذلك كرمى لمزايدات انتخابيّة من هنا أو هناك.

    إنّها الانتخابات، وبها يتحكّم الصوت التفضيلي، صوتٌ في سبيله ترخص كلّ التضحيات على ما يبدو، والآتي من الأيام سيثبت ذلك...

شاهد أيضاً

b4a48faf-3bea-461b-b767-6785d4cfc4a2_16x9_600x338

ما بين روسيا واسرائيل أبعد من تسليم أس 300

  لم تكن تل أبيب ترتاح للخطوات الروسية في ​سوريا​. سبق وأن زار رئيس الحكومة الاسرائيلية ​بنيامين نتانياهو​ ​روسيا​ مرات عدّة، خلال عام فقط، وارسل وفودا استخباريّة وسياسيّة ودبلوماسيّة، لمحاولة التأثير على قرارات الرئيس الروسي ​فلاديمير بوتين​...

انّ المقالات والتعليقات الواردة لا تعبر عن رأي الموقع انما تعبر عن رأي اصحابها.

أضف تعليق

أخبار في صور