أخبار مهمة
الرئيسية / اقلام دعوية / التكامل في المشروع الإسلامي- بقلم الشيخ شريف توتيو

التكامل في المشروع الإسلامي- بقلم الشيخ شريف توتيو

                                 

  

 
بقلم الشيخ شريف توتيو عضو قيادة جبهة العمل الإسلامي/عضو قيادة مجلس أمناء حركة التوحيد

(
التكامل في المشروع الاسلامي)

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله منزل الكتاب ومجري السحاب ورافع السماء بغير عمد ترونها، الحمد لله الذي منّ علينا بدين الاسلام الكامل المتكامل وأرشدنا للعمل به بشكل دائم لما فيه خيرا الدنيا والآخرة، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين وجعله سيدا وقدوة للأولين والآخرين سيدنا محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه الأطهار الطاهرين الطيبين وعلى من والاهم ودعا بدعوتهم إلى يوم الدين. وبعد..

إنّ هذه الدنيا هي مفتاح الآخرة وهي دار ممر والآخرة هي دار مقر والمستقر، وأنّ هذه الدنيا هي مزرعة الآخرة، ما يزرع فيها الانسان من عمل وما يقوم به من فعل أو قول أو موقف أو نشاط أو رفض او تأييد.. إلخ يحصده يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، والعقل مناط التكليف والعلم سبيل التشريف والايمان طريقنا نحو النجاة وبلوغ الجنات آمنين بلا تخويف.

  حين أراد الله سبحانه وتعالى وكانت مشيئته أن يكون الانسان خليفة في أرضه وتحت سمائه مصداقاً لقوله تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) لم يرد ولم يشأ ذلك عبثاً (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) بل أراده وشاءه لغاية حميدة ومنزلة رفيعة عالية وشريفة، أراده لعبادته وطاعته ومحبته سبحانه وتعالى،، وكيف لا وهو جلّ وعلا أهل ليعبد ويطاع ويحب، قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) نعم إنها المنزلة الكريمة، منزلة العزّة والكرامة أن تكون العبادة والطاعة لله وحده وليس لأحد غيره، لا من الملوك ولا من الجبابرة ولا من الطغاة والأكاسرة، ومن أجل هذا ولكي يحظى الانسان بهده الصفة والمنزلة سخّر الله له الدنيا بما فيها وما فيها، فالإسلام دين دنيا وآخرة، لذا لا بدّ لهذا الخط الذي اختطه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا الصراط الذي رسمه لا بُدّ له من تكامل وتواصل ما بين الدنيا والآخرة، وسبق أن قلنا أنّ ما نزرعه في الدنيا نحصده في الآخرة (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)  وقال تعالى (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)، وقد رُوي عن الامام علي بن أبي طالب في الكافي وعن عن عبد الله بن عمرو بن العاص في زوائد مسند الحارث للهيثمي (اعمل لدنياك كأنك تعيشُ أبدًا ، واعمل لآخرتِك كأنك تموتُ غدًا) لقد أراد الله أن يستعمر الانسان في أرضه أن يبحث فيها وينقّب ويكتشف أن يفحص ويُمحّص ويخترع ويتعلم ويصنع، أراد له أن يقتحم بالعلم الأسوار وأن يسبر الأغوار وأن يجتهد بالليل والنهار كي يقترب ويتعرف أكثر فأكثر على خالقه فالق الحبّ والنوى الواحد الأحد، الفرد الصمد/ الملك المتعال والقهار والجبّار.

   نعم إنّ التكامل في المشروع الاسلامي يحتاج بادئ ذي بدء إلى بناء شخصية الفرد المسلم من النواحي كافة، العقدية والخلقية والانسانية المبدعة، أي شخصية ملتزمة بدين الله يسبحانه ومنفتحة على الآخرة من أجل اكتمال الصورة قلباً وقالباً، هذه الصورة .. وهذه الشخصية الانسانية المعجونة بالحبّ والتواضع والتسامح، والمتطلّعة نحو الآفاق والوفاق على قاعدة وأسس سليمة ومتينة، فهي تمتلك الشدّة واللين  في موقع القوة والشدائد وبالعكس لتكون بعدهما مهيأة لمرحلة الدعوة إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة، قال الله تعالى (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).

  إنّ هذا التدرج في التكامل من بناء الشخصية المسلمة، إلى بناء الأسرة وتكوين العائلة بكل تفرعاتها، تم الانتقال إلى بناء المجتمع مع كل ما فيه من عناصر القوة البشرية والعلمية والخلقية والدعوية.. لا شك هذا التدرج الذي رُبّما يحتاج إلى سنوات وسنوات طوال سيؤدي بنا إلى تحقيق الحلم نحو بناء وترجمة المشروع الاسلامي الذي أراده الله ورسوله ضمن مجتمع حصين مُحصّن يعتمد بعد اعتماده على الله  أولاً على قواه وعناصره الذاتية، بدءاً من العلم وتحكيم العقل والحكمة ومروراً بالتعاون على البر والتقوى (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) فيد الله مع الجماعة ، والجماعة المؤمنة الصادقة الخالصة لله وحده، الجماعة المحبة والمتواضعة والمتسامحة والمتعاونة مع بعضها البعض، الجماعة التي تبتغي مرضاة الله وعبادته وتبتعد عن معاصيه ونواهيه وتلتزم بهديه واوامره، الجماعة التي وصفها الله قائلاً (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ).

  نعم الجماعة والفرد والأسرة والمجتمع التي يتنافس فيها الجميع ويعبرون طريق التقوى وصراطه نحو طاعة الله ونيل رضاه والسعادة الأبدية الخالدة التي لا شقاء بعدها أبداً.. الجماعة التي لا تكلّ ولا تملّ حتى يصل خيرها إلى الكُلّ.. الجماعة التي يجد فيها الفرد نفسه بأخيه ويتكامل معه، فالمؤمن مرآة أخيه، وما هو ناقص عندي موجود عند أخي والعكس هو الصحيح أيضاً، فلا خجل ولا خوف ولا طمع ولا حقد ولا ضغينة ولا كراهية حتى بين الأغنياء والفقراء، فإذا ما عرف الغنيّ واجبه، وإذا ما اقتنع الفقير بحظوته، وإذا ما تواضع القويّ وانتصر للضعيف حتى يصبح الضعف قوةً والفقر غنىً (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ) وإذا ما أحببنا بعضنا بعضاً على أساس حبّ الله وتقواه، وإذا ما ساعد بعضنا بعضاً وتعاون بعضنا مع بعضنا في شتى مجالات الحياة الانسانية، وإذا ما عملنا مع بعضنا كفريق واحد تظله وتستظله العدالة، فالعدل أساس الملك، والله أمرنا بالعدل والقسطاس المستقيم (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) وإذا ما عفونا عند المقدرة وحلمنا بعد المقدرة ولجأنا إلى حكم القدير الخبير اللطيف بعباده ، والعالم بأحوالهم وحلّهم وترحالهم، وإذا ما انتصرنا للضعيف والمظلوم ووضعنا حداً للظالم  أياً كان و أياً يكون، فهو لم ولن يدوم فالظلم ظلمات يوم القيامة ويومها يقول الله للمظلوم تقدّم وللظالم لا تتكلّم، قال الله تعالى (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ) .

   هذا التكامل الانساني بكل معانيه ومفاهيمه ومضامينه، ما ذكرنا وما نسينا وغفلنا عن ذكره لتقصير واضح عند البشر، هذا التكامل الذي نحتاجه لنخرج من قصر الأحلام إلى مشروع وعدل الاسلام، والحمد لله ربّ العالمين. 

  

   

شاهد أيضاً

b4a48faf-3bea-461b-b767-6785d4cfc4a2_16x9_600x338

حلمه صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:     فإن من الأخلاق الجميلة والصفات الحميدة التي اشتهر بها صلى الله عليه وسلم حلمه العظيم، قال تعالى مثنيًا على نبيه صلى الله عليه وسلم:...

انّ المقالات والتعليقات الواردة لا تعبر عن رأي الموقع انما تعبر عن رأي اصحابها.

أضف تعليق

أخبار في صور