الرئيسية / فكر و ثقافة / صناعة القباقب تلفظ أنفاسها تدريجيا في مصر

صناعة القباقب تلفظ أنفاسها تدريجيا في مصر

    يطرق الصانع المصري الستيني، نور عبدالقادر، حذاءً خشبيا بآخر، فيُصدر رنة شهيرة، داخل ورشته المتهالكة بحي الغورية، وسط العاصمة المصرية القاهرة، صوتٌ يتردد في صداه تاريخ صناعة القبقاب، الحذاء الأشهر في عصور سابقة قديمة.

    كان القبقاب في الماضي رمزاً للدلع والدلال والأكثر استخداماً بين المصريين خصوصاً البسطاء نظراً لمزاياه العديدة، لكن صوته يختفي في الوقت الراهن ويلفظ انفاسه تدريجيا، وصناعته تواجه خطر الزوال.

    و"القبقاب" حذاء مصنوع من قطعة مستوية من الخشب، تعلوها قطعة من الجلد السميك، ويتم تثبيته من الجانبين بصفيحة معدنية.

    تاريخ القبقاب في مصر يرجع إلى عصر الفاطميين (909 - 1171م)، إذ كان يُنتعل بكثرة في المنازل والحمامات الشعبية لمنع الانزلاق.

    وارتبط القبقاب بالثقافة الشعبية المصرية، ففي عصر المماليك (1250 - 1517م)، كان سببًا في مقتل الملكة شجرة الدر سنة 1257م (حكمت مصر 80 يوما)، والتي قيل إنها ماتت ضرباً بالقباقيب

    والقبقاب يتميز برنة عالية يصدرها عند المشي، وهو ما دفع العديد من المطربين المصريين للغناء له، أبرزهم "دلوعة" السينما المصرية المطربة شادية (مواليد 1931) التي غنت "رنة قبقابي يأمه (يا أمي) رنة قبقابي وأنا ماشية يأمه بتميل رأسي".

    وكذلك أغنية المطرب المصري عبد العزيز محمود (1914 - 1991م) "يا أسمر يا جميل" التي يقول فيها: "يا اللي كعابك فوق قبقابك ورد في ميه".

رنة تتوارى
    يجلس نور، وسط أكوام من الخشب مختلفة الأحجام والأوزان، في ورشته التي يرجع تاريخها إلى أوائل القرن الماضي، وبجواره ماكينة لتقطيع القباقيب وتفصيله.

    وبنبرة حزن شديدة يقول: "كنت أحد أهم موردي القبقاب للصعيد (جنوب) والفلاحين (ينتشرون في القرى) وكل أنحاء مصر، أما الآن فقد خفت بريق حرفة ضاربة في القدم".

    ورث نور مهنة صانع "القبقاب" من والده تاجر الأخشاب الذي فضّل في بدايات حياته السفر إلى أوروبا، قبل أن يعود إلى القاهرة، ويتعلم الحرفة المشهورة.

    وعن مراحل تكوين القبقاب يقول: "تبدأ صناعته بإحضار الخشب المطلوب، ونقوم بتقطيعه إلى نصفين متساويين بالمنشار، بحسب مقاس القدم، على آلة تقطيع حديدية، وبعدها نزيل الزوائد الخارجية من الجانبين ومن الأمام والخلف".

    ويضيف "ثم نركّب قطعة من كاوتش (إطار السيارات)، أعلى القطعة الخشبية، ونثبتها بقطعة صفيح بمسامير قبقابية".

    وعن أنواع الأخشاب المستخدمة، يضيف: "هناك العديد من الأخشاب يصنع منها، مثل الكافور والجوز والمشمش والصفصاف والزان والمانغو والسيبانس والفيكس، وهي أرخص نسبيا من التوت واللبخ والسرسوع، ونجلبها من الفلاحين".

    ويشير نور إلى أنه يستخدم خشب التوت و"السيبيناس"، بسبب انخفاض سعرهما، وهو ما يمكنه من تحقيق الربح، على عكس خشب "الموسكي" المعروف بثمنه المرتفع.

    ويؤكد الحرفي المصري ان معظم صانعي القبقاب هجروا المهنة، واستنجدوا بمهن أخرى، بسبب ضعف الإقبال على شرائه، والمنافسة الشرسة من قبل الأحذية المصنوعة من البلاستيك، مشيرا إلى أن عدد أصحاب المهنة في مصر حاليًا لا يزيد عن خمسة.

مواسم الازدهار
    وافاد الحرفي ان المواسم الدينية المتمثلة لا سيما في رجب وشعبان ورمضان تتميز بالاقبال الشديد على شراء القبقاب، إذ يقتنيه البعض ويتبرعون به للمساجد.

    ويؤكد نور أن المواطنين ينفرون حاليًا من شراء القبقاب المخصص للاستعمال في المنزل، وأنه اقتصاره أصبح فقط داخل المساجد للوضوء، رغم أن الأغنياء كانوا يشترونه من قبل.

    وعن فوائد القبقاب الصحية والطبية، فيقول إنه يعالج لمرض الروماتيزم (التهاب المفاصل)، وينصح الأطباء بارتدائه للذين لديهم حساسية في القدمين".

    "ولا يتسبب القبقاب في التشققات الجلدية بأصابع القدمين، كما أنه عازل جيد للكهرباء"، بحسب نور.

    ويلفت صانع القباقيب إلى أن أسعاره تتراوح بين 10 إلى 25 جنيهاً، لكن الأعلى سعرا يتم تصنيعها حسب الطلب، إذ يتم تزيينها بالصدف والألوان لتعطي منظرا جميلًا.

    ويستخدم المصريون حاليا أحذية بديلة القبقاب مصنوعة من مادة البلاستيك والجلد.

القبقاب والأمل الأخير
    ولا تعود ذكرى القبقاب وأغانيه وأشعاره إلى مصر فقط، بل له تاريخ في بيروت وإسطنبول ودمشق، وكان يرتديه الوجهاء والاثرياء في الأسواق والمنازل والمجالس الرسمية بأشكال متنوعة وفريدة.

    ويقول محمد الجزيري، الباحث المصري في التراث والحضارة، إن القبقاب موجود في مصر منذ العهد الفاطمي.

    ويضيف الجزيري: "خصصت أسواق للقبقاب في الوطن العربي، أهمها في دمشق خلف المسجد الأموي، كما انتشرت أسواق أخرى في مصر".

    ويؤكد أن المؤرخ العربي تقي الدين المقريزي (1364 - 1442م) ذكر القبقاب في كتاباته.

    ويأمل أن تقيم الدولة معارض للحرف التراثية من ضمنها القبقاب، حتى تنعش هذه المهنة وتروج لها وتحيا من جديد.
 

شاهد أيضاً

b4a48faf-3bea-461b-b767-6785d4cfc4a2_16x9_600x338

تونس تستضيف المؤتمر الرابع للناشرين العرب

    أعلن اتحاد الناشرين العرب، عن اختيار تونس العربية الشقيقة لإستضافة مؤتمر الناشرين العرب الرابع من يناير/ كانون الثاني 2018، وهو بمثابة إنجاز وإنحياز جديد يعكس التقدير الكبير من قبل الناشرين العرب للدور الذى تلعبه تونس الخضراء فى صناعة النشر ودعم الكتاب على المستوى...

انّ المقالات والتعليقات الواردة لا تعبر عن رأي الموقع انما تعبر عن رأي اصحابها.

أضف تعليق

أخبار في صور